المجموعة الكاملة
Ali saedi
Varies with device Varies with device
يوم التاسع من نيسان عام 1980م، وفي غرفة من غرف التعذيب في مديريّة الأمن في بغداد، سكنت أنامل منهكة.. أنامل طالما اعتادت أن يسكّن أوجاعها الناجمة عن كثرة الكتابة والتأليف عجينٌ باردٌ يدعوها إلى أخذ قسطها من الراحة.. لكن أنّى لها أن تفعل وقد قدّر لها ألاّ تسكن إلاّ إذا أهريقت دماؤها وجفّت.. فسكنت.. داميةً سكنت؛ لتدوّن في سجلّ الأمّة آخر كلماتها، إنّه الموعد المحتوم يوم التغابن، يوم يأخذ حقّه كلّ من كان مغبوناً في موقعه وفي وجوده في الأمّة، يوم لا كلمة إلاّ للحق..
إنّها الأنامل التي خطّت كتباً من أروع ما أنتجت الأمّة الإسلاميّة في القرن المنصرم.. إنّها أنامل الفرد الذي عاش روح الأمّة وهمومها، فكان أمّة قانتاً لله حنيفاً.. سكنت لتسجّل بسكونها انثلام الإسلام ثلمةً لا يسدّها شيء..
إنّها أنامل المعلّم الفذ والمربّي القدير، الفقيه المجاهد والراحل المتواجد، الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(قدّه)..
يوم التاسع من نيسان من كلّ عام نستحضر قول أمير المؤمنين(ع) مؤبّناً صاحبه مالك الأشتر النخعي: «ألا إنّ مالك بن الحارث قد قضى نحبه، وأوفى عهده، ولقي ربّه، فرحم الله مالكاً.. لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً.. لله مالك، وما مالك! وهل قامت النساء عن مثل مالك! وهل موجودٌ كمالك!.. أما والله، هلاكه قد أعزّ أهل المغرب وأذلّ أهل المشرق».
غادَرَنا الإمام الشهيد وكثيرٌ من مشاريعه وطموحاته لم يتحقّق، ولكنّه أوقَفَنا مع ذلك موقفَ المسؤول أمام تراث غنيٍّ أودع فيه رشحاتٍ من نظريّاته ورؤاه، والذي كان ينشر وفقاً للمعمول به في تلك الحقبة.
وعندما تألّق نجم الإمام الشهيد(قدّه) في أوج مرجعيّته التي أخذت بالتوسّع بنحو غير مألوف، برزت الحاجة إلى جمع تراثه المتناثر، فبدأت دار التعارف ببيروت لصاحبها الحاج حامد عزيز ـ مشكورةً ـ بتنفيذ مشروع (المؤلّفات الكاملة)، والذي اكتمل بعد استشهاده في خمسة عشر مجلّداً.
وعلى مدى عقدين من الزمن، توالت طباعة كتب الإمام الشهيد الصدر(قدّه) وفقاً لحاجات السوق، وكانت بمعظمها طبعاتٍ تجاريّةً غير محقَّقة، ما عدا بعض كتبه الدراسيّة التي تولّى بعض تلامذته تحقيقها وطباعتها.
وفي آخر التسعينات الميلاديّة، التأمت جهود مجموعة من طلاّب الإمام الشهيد الصدر(قدّه) من أجل عقد مؤتمر دولي حول شخصيّته وفكره الخلاّق، وفي مقدّمتهم صاحب السماحة السيّد نور الدّين الإشكوري وصاحب الفضيلة الشيخ محمّد علي التسخيري (حفظهما الله)، فتوحّدت الجهود والطاقات ليتمخّض عنها انعقاد (المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر(قدّه)) شتاءَ 2001م في طهران، حيث تقاطرت إلى قاعة المؤتمرات عشرات الشخصيّات العلميّة، التي جمعها ـ على تفرّق انتماءاتها العرقيّة والمذهبيّة والفكريّة ـ مشاعر الإعجاب والتقدير للإمام الشهيد وفكره النابض، فعطّرت بمداخلاتها جلسات البحث والنقد، مخلّفةً عشرات المقالات والأبحاث التي تقرّر في ذلك الوقت طبعها ونشرها.

موسوعة الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(قدّه)
لا شكّ في أنّ إصدار التراث العلمي الذي وصلنا من الإمام الشهيد الصدر(قدّه) وطباعته طباعةً أنيقةً لائقة به يترأّس سلّم أولويّات (مركز الأبحاث والدراسات التخصّصيّة للشهيد الصدر(قدّه))، ولهذا ربّما جمّد المركز بعض نشاطاته ريثما يصدر التراث العلمي كاملاً.
إنّ أوّل ما صدر من الطبعة الجديدة المزمع إخراجها خمسةُ مجلّدات صدرت أيّام انعقاد (المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر(قدّه)) تحت عنوان (تراث الشهيد الصدر)، ثمّ توالت سائر أجزاء المجموعة بالصدور، والتي كان مقرّراً أن تصدر في عشرين مجلّداً، إلاّ أنّ العمل الدؤوب على استخراج مكنونات تراث الشهيد الصدر(قدّه) فجّر ثلاث مجلّدات أخر، فأضيفت إليها لتصبح ثلاثةً وعشرين مجلّداً.
وبعد انتهاء العمل ـ تقريباً ـ على إعداد هذه المجموعة، قرّر (مركز الأبحاث والدراسات التخصّصيّة للشهيد الصدر(قدّه)) إصدارها بحلّة جديدة وفي ثلاثة وعشرين مجلّداً دفعةً واحدة، تحت عنوان (موسوعة الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(قدّه)) ، وذلك بعد استئذان أسرة الشهيد الصدر(قدّه) الموقّرة، والتي شجّعت المركز على عمله الموسوعي الرائد.

Content rating: UnratedWarning – content has not yet been rated. Unrated apps may potentially contain content appropriate for mature audiences only.

Requires OS: 1.6 and up

...more ...less